الجصاص

56

أحكام القرآن

وقوله تعالى : ( فاخشوهم فزادهم إيمانا ) ، فيه إخبار بزيادة يقينهم عند زيادة الخوف والمحنة ، إذ لم يبقوا على الحال الأولى بل ازدادوا عند ذلك يقينا وبصيرة في دينهم ، وهو كما قال تعالى في الأحزاب : ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) [ الأحزاب : 22 ] فازدادوا عند معاينة العدو إيمانا وتسليما لأمر الله تعالى والصبر على جهادهم . وفي ذلك أتم ثناء على الصحابة رضي الله عنهم وأكمل فضيلة ، وفيه تعليم لنا أن نقتدي بهم ونرجع إلى أمر الله والصبر عليه والاتكال عليه ، وأن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل ، وإنا متى فعلنا ذلك أعقبنا ذلك من الله النصر والتأييد وصرف كيد العدو وشرهم مع حيازة رضوان الله وثوابه بقوله تعالى : ( فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ) . وقوله تعالى : ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ) إلى قوله : ( سيطوقون ما بخلو به ) ، قال السدي : " بخلوا أن ينفقوا في سبيل الله وأن يؤدوا الزكاة " ، وقال ابن عباس : هو في أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس " . وهو بالزكاة أولى ، كقوله : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) [ التوبة : 34 ] إلى قوله : ( يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ) [ التوبة : 35 ] ، وقوله تعالى : ( سيطوقون ما بخلوا به ) يدل على ذلك أيضا . وروى سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جئ به يوم القيامة وبكنزه فيحمى بها جبينه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده " . وقال مسروق : " يجعل الحق الذي منعه حية فيطوقها فيقول مالي ومالك فتقول الحية أنا مالك " . وقال عبد الله : " يطوق ثعبانا في عنقه له أسنان فيقول أنا ملك الذي بخلت به " . قوله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ) ، قد تقدم نظيرها في سورة البقرة ، وقد روي في ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي : " أن المراد به اليهود " ، وقال غيرهم : " المراد به اليهود والنصارى " ، وقال الحسن وقتادة : " المراد به كل من أوتي علما فكتمه " ، قال أبو هريرة : لولا آية من كتاب الله تعالى ما حدثتكم به ، ثم تلا قوله : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) . فيعود الضمير في قوله ( لتبيننه ) في قول الأولين على النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنهم كتموا صفته وأمره ، وفي قوله الآخرين على الكتاب ، فيدخل فيه بيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر ما في كتب الله عز وجل . قوله تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي